الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

120

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

للتنصيص على التعميم ليشمل العمل الجليل والحقير والخير والشر . والاستثناء في قوله : إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً استثناء من عموم الأحوال التي اقتضاها عموم الشأن وعموم التلاوة وعموم العمل ، أي إلا في حالة علمنا بذلك ، فجملة كُنَّا عَلَيْكُمْ في موضع الحال . ووجود حرف الاستثناء أغنى عن اتصال جملة الحال بحرف ( قد ) لأن الربط ظاهر بالاستثناء . والشهود : جمع شاهد . وأخبر بصيغة الجمع عن الواحد وهو اللّه تعالى تبعا لضمير الجمع المستعمل للتعظيم ، ومثله قوله تعالى : إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ [ الأنبياء : 104 ] . ونظيره في ضمير جماعة المخاطبين في خطاب الواحد في قول جعفر بن علبة الحارثي : فلا تحسبي أني تخشعت بعدكم * لشيء ولا أني من الموت أفرق وذلك استعارة بتشبيه الواحد بالجماعة في القوة لأن الجماعة لا تخلو من مزايا كثيرة موزعة في أفرادها . والشاهد : الحاضر ، وأطلق على العالم بطريقة المجاز المرسل ولذلك عدي بحرف ( على ) . و إِذْ ظرف ، أي حين تفيضون . والإضافة في العمل : الاندفاع فيه ، أي الشروع في العمل بقوة واهتمام ، وهذه المادة مؤذنة بأن المراد أعمالهم في مرضاة اللّه ومصابرتهم على أذى المشركين . وخصت هذه الحالة وهذا الزمان بالذكر بعد تعميم الأعمال اهتماما بهذا النوع فهو كذكر الخاص بعد العام ، كأنه قيل : ولا تعملون من عمل ما وعمل عظيم تفيضون فيه إلا كنا عليكم شهودا حين تعملونه وحين تفيضون فيه . وجملة : وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ إلخ عطف على جملة : وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ ، وهي بمنزلة التذييل لما فيها من زيادة التعميم في تعلق علم اللّه تعالى بجميع الموجودات بعد الكلام على تعلقه بعمل النبي صلى اللّه عليه وسلم والمسلمين . والعزوب : البعد ، وهو مجاز هنا للخفاء وفوات العلم ، لأن الخفاء لازم للشيء البعيد ، ولذلك علق باسم الذات دون صفة العلم فقال : عَنْ رَبِّكَ . وقرأ الجمهور يَعْزُبُ - بضم الزاي - ، وقرأه الكسائي - بكسر الزاي - وهما